السَّكْتَتان فِي الصلاةِ 

وَكَانَ لَهُ سَكْتَتَانِ؛ سَكْتَةٌ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، وَعَنْهَا سَأَلَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّانِيَةِ؛ فَرُوِيَ أَنَّهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَقِيلَ إِنَّهَا بَعْدَ الْقِرَاءَةِ وَقَبْلَ الرُّكُوعِ.

وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ السَّكْتَتَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ سمرة، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ أبو حتيم فِي ” صَحِيحِهِ “، وسمرة هو ابن جندب، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّ أَحَدَ مَنْ رَوَى حَدِيثَ السَّكْتَتَيْنِ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ، قَالَ: «سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عِمْرَانُ بْنِ حُصَيْنٍ، وَقَالَ: حَفِظْنَاهَا سَكْتَةً، فَكَتَبْنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالْمَدِينَةِ، فَكَتَبَ أُبَيٌّ: أَنْ حَفِظَ سَمُرَةُ، قَالَ سَعِيدٌ: فَقُلْنَا لِقَتَادَةَ: مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي صَلَاتِهِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِذَا قَرَأَ {وَلا الضَّالِّينَ} قَالَ: وَكَانَ يُعْجِبُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَتَرَادَّ إِلَيْهِ نَفَسُهُ. ))

وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ؛ فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ سَكَتَ، وَهَذَا كَالْمُجْمَلِ، وَاللَّفْظُ الْأَوَّلُ مُفَسِّرٌ مُبَيِّنٌ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لِلْإِمَامِ سَكْتَتَانِ، فَاغْتَنِمُوا فِيهِمَا الْقِرَاءَةَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ وَإِذَا قَالَ: ” وَلَا الضَّالِّينَ ” عَلَى أَنَّ تَعْيِينَ مَحَلِّ السَّكْتَتَيْنِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ تَفْسِيرِ قتادة، فَإِنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ عَنِ الحسن «عَنْ سمرة قَالَ: سَكْتَتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عمران فَقَالَ: حَفِظْنَاهَا سَكْتَةً، فَكَتَبْنَا إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِالْمَدِينَةِ، فَكَتَبَ أبي أَنْ قَدْ حَفِظَ سمرة، قَالَ سعيد: فَقُلْنَا لقتادة: مَا هَاتَانِ السَّكْتَتَانِ؟ قَالَ: إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، وَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْقِرَاءَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: وَإِذَا قَالَ {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] » ) .

وفي طبقات الحنابلة للقاصي أبي يعلى (1\362): وجاء عن النبى ﷺ «أنه كان له سكتتان: سكتة عند افتتاح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من القراءة» وكان النبى ﷺ يسكت إذا فرغ من القراءة قبل أن يركع، حتى يتنفس، وأكثر الأئمة على خلاف ذلك. فأمره أبو عبد الله (الإمام أحمد)، إذا فرغ من القراءة: أن يثبت قائما، وأن يسكت حتى يرجع إليه نفسه قبل أن يركع، ولا يصل قراءته بتكبيرة الركوع

قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَجْمُوعِ: سَكْتَةٌ لَطِيفَةٌ جِدًّا لِيَفْصِلَ بِهَا بَيْنَ الْقِرَاءَةِ وَتَكْبِيرَةِ الرُّكُوعِ.

لِأَنَّ الْحَدِيثَ سَمُرَةَ ضَعَّفَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ. وَصَحَّحَهُ وَحَسَّنَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْكِبَارِ.

قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ شَاكِرٍ فِي الْحَدِيثِ سَمُرَةَ: وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَإِنَّمَا حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ لِلْخِلَافِ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ (الْبَصْرِيِّ) مِنْ سَمُرَةَ، وَقَدْ سَبَقَ أَنْ تَكَلَّمْنَا فِي ذَلِكَ، وَأَثْبَتْنَا سَمَاعَهُ (الْحَسَنِ) مِنْهُ (سَمُرَةَ). ((سُنَنُ التِّرْمِذِيِّ بِتَحْقِيقِ الشَّيْخِ، ط مَطْبَعَةُ مُصْطَفَى الْبَابِيِّ الْحَلَبِيِّ وَأَوْلَادِهِ-الْقَاهِرَةِ 2\31)) فَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ السَّمَاعَ مُطْلَقًا كَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمْ وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَى سَمَاعَهُ مُطْلَقًا، كَشُعْبَةَ وَابْنِ مَعِينٍ وَأَحْمَدَ، وَغَيْرِهِمْ. وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ سَمَاعَ حَدِيثِ الْعَقِيقَةِ وَحْدَهُ. وَقَالَ آخَرُونَ: سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ، وَالْبَاقِي صَحِيفَةٌ، كَالنَّسَائِيِّ، لِقَوْلِ ابْنِ عَوْنٍ: وَجَدْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ كِتَابَ سَمُرَةَ، فَقَرَأْتُهُ عَلَيْهِ. فَكَانَتْ رِوَايَتُهُ عَنْ سَمُرَةَ وِجَادَةً صَحِيحَةً، وَالْوِجَادَةُ قَدْ قَبِلَهَا الْعُلَمَاءُ، وَعَمَلُوا بِهَا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ. ((تهذيب سنن أبي داود لابن القيم))